الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
100
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
شعر أبي نواس شيئا كثيرا لمّا ظهر لهم أنهّ ليس من ألفاظه ولا من شعره وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلّا على الذوق خاصّة . وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلهّ ماء واحدا ونفسا واحدا وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز أولّه كأوسطه وأوسطه كآخره ، وكلّ سورة منه وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك . فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إليه عليه السّلام ( 1 ) . قلت : وما ذكره في غاية الجودة لكن يستثنى منه ما أشرنا إليه في أوّل الكتاب ( 2 ) ، فليحذف كما حذف من شعر أبي تمام وأبي نواس بالقاعدة التي ذكرها ، وقد برهنّا على ما قلنا عند شرح عناوين ما ذكرنا . هذا ، والذي يظهر من كتب اللغة ( كالصحاح والأساس ) ( 3 ) وغيرهما عدم صحّة استعمال ( كرّاس واحد ) بل ( كرّاسة واحدة ) ، وكون الكرّاس جمعا . ثمّ إنّ إخواننا جاوزوا الحدّ في الحطّ من قدره عليه السّلام اقتداء بسلفهم . فتارة أنكروا بعض كلامه كونه منه كالشقشقيّة وغيرها ( 4 ) ، وأخرى نسبوا كلامه عليه السّلام إلى غيره ، فنسبوا كلامه عليه السّلام : « أيّها الناس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود » إلى
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 526 شرح الخطبة ( 181 ) . ( 2 ) مرّ في مقدّمة المؤلّف . ( 3 ) صحاح اللّغة للجوهريّ 2 : 927 مادّة ( كرس ) ، وأساس البلاغة : 390 مادّة ( كرس ) ، ولسان العرب 6 : 193 مادة ( كرس ) . ( 4 ) كما سبق في شرح الفقرة .